القرطبي

122

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

نختبره بالخير والشر ، قال الكلبي . الثاني - نختبر شكره في السراء وصبره في الضراء ، قاله الحسن . وقيل : " نبتليه " نكلفه . وفيه أيضا وجهان : أحدهما - بالعمل بعد الخلق ، قاله مقاتل . الثاني - بالدين ليكون مأمورا بالطاعة ومنهيا عن المعاصي . وروى عن ابن عباس : " نبتليه " : نصرفه خلقا بعد خلق ، لنبتليه بالخير والشر . وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : المعنى والله أعلم ( فجعلناه سميعا بصيرا ) لنبتليه ، وهي مقدمة معناها التأخير . قلت : لان الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة . وقيل : " جعلناه سميعا بصيرا " : يعني جعلنا له سمعا يسمع به الهدى ، وبصرا يبصر به الهدى . قوله تعالى : ( إنا هديناه السبيل ) أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال ، والخير والشر ببعث الرسل ، فآمن أو كفر ، كقوله تعالى : " وهديناه النجدين " [ البلد : 10 ] . وقال مجاهد : أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة . وقال الضحاك وأبو صالح والسدي : السبيل هنا خروجه من الرحم . وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله . ( إما شاكرا وإما كفورا ) أي أيهما فعل فقد بينا له . قال الكوفيون : " إن " ها هنا تكون جزاء و " ما " زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر . واختاره الفراء ولم يجزه البصريون ، إذ لا تدخل " إن " للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل . وقيل : أي هديناه الرشد ، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه ، ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن ، وإن خذلناه كفر . وهو كما تقول : قد نصحت لك ، إن شئت فاقبل ، وإن شئت فاترك ، أي فإن شئت ، فتحذف الفاء . وكذا " إما شاكرا " والله أعلم . ويقال : هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل . وقد تقدم في " الفاتحة " ( 1 ) وغيرها . وجمع بين الشاكر والكفور ، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة ، نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر ، لان شكر الله تعالى لا يؤدى ، فانتفت عنه المبالغة ، ولم تنتف عن الكفر المبالغة ، فقل شكره ، لكثرة النعم عليه ( 2 ) وكثرة كفره وإن قل مع الاحسان إليه . حكاه الماوردي .

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 147 وص 160 . ( 2 ) في ا ، ح ، و : ( وكثرة كفره ) .